✍️عز العرب الصدوقي:
أحداث مباراة الأهلي المصري والجيش الملكي المغربي امتداد مباشر لجدل نهائي الكاف. ما يحدث في إفريقيا لم يعد يُقرأ كفصل عابر في سجل المنافسات، بل كصورة متراكمة تُغذّي قناعة لدى شريحة واسعة من المتابعين بأن الإفلات من العقاب بات احتمالًا قائمًا حين تتداخل الرياضة مع موازين القوة.
أصبحت نزاهة التحكيم واستقلالية القرار التأديبي داخل الاتحاد
الإفريقي لكرة القدم على المحك، ومحل تساؤل متجدد كلما كان الطرف مصريًا، وخاصة
نادي الأهلي، وكلما صدرت القرارات من مقر الكاف في القاهرة. فمن حق الرأي العام
الإفريقي أن يتساءل: هل يؤثر هذا المعطى الجغرافي — ولو بشكل غير مباشر — في صورة
الحياد المؤسسي؟ الواقع يشير إلى أن هذا الانطباع آخذ في الاتساع..
اليوم، الكرة الإفريقية تواجه اختبارًا حقيقيًا. فالأزمة لم
تعد مجرد جدل حول صافرة أخطأت أو بطاقة لم تُشهر، بل شعور متصاعد بأن بعض
المباريات تُدار في بيئة غير متكافئة، حيث يتجاوز ميزان التباري حدود المستطيل
الأخضر ليصل إلى أروقة صنع القرار نفسها. وحين تتكرر الوقائع في الاتجاه ذاته،
يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام حوادث معزولة، أم أمام خلل أعمق في بيئة اتخاذ
القرار؟
ومن حيث المبدأ، لا يفترض أن يؤثر موقع المقر الإداري للكاف
بالقاهرة في القرارات. غير أن الثقة في المؤسسات لا تُبنى على النصوص وحدها، بل
على الصورة والانطباع العام. وعندما يقترن القرب الجغرافي بنفوذ تاريخي وإعلامي
واسع، يصبح الاقتناع بإمكانية الحياد المطلق ضربا من الخيال.
ليست المسألة مرتبطة بنقص اللوائح أو ضعف العقوبات، كما
أراد أن يصورها لنا رئيس الكاف موتسيبي. النصوص موجودة، ولجان الانضباط قائمة،
وآليات الطعن محددة. لكن جوهر الإشكال يكمن في تطبيق القوانين بعيدًا عن أي
تجاذبات سياسية أو اعتبارات رمزية. فالعدالة لا تُقاس بصرامة البنود، بل بثبات
تنفيذها على الجميع دون استثناء.
ما يثير القلق أن الإفلات من العقاب تحوّل إلى نمط متكرر. ولعل
ما أعقب نهائي كأس إفريقيا للأمم بالمغرب من قرارات وعقوبات معلنة مثال صارخ على
الإحساس بالتباين في المعالجة، إذ بدت العقوبات المعلنة غير متناسبة مع جسامة
المخالفات. والسؤال الذي يفرض نفسه:
هل تُقاس الوقائع بذاتها أم بهوية أطرافها؟
استمرار هذا الوضع يضع الكاف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما
ترسيخ الشفافية والقطع مع أي انطباع بالانتقائية، أو القبول بتآكل مصداقية هي أصلاً
محل جدال. فعدالة التحكيم واستقلال لجان الانضباط ليست شعارات تُرفع في البيانات،
بل شروط أساسية لبقاء كرة القدم الإفريقية تنافسية وتحظى بالاحترام الدولي.
وإلى أن تتضح الرؤيا، ويُفصل بوضوح في أحداث مباراة الأهلي
والجيش، كما هو الشأن في استئناف المغرب على أحداث نهائي الكاف، ويتم تطبيق
القانون بمعيار واحد على الجميع، ستظل كل مباراة كبرى محاطة بسؤال أكبر من
نتيجتها، وسيبقى الجدل مؤشرًا على أن المشكلة لم تعد في الأخطاء، بل في البيئة
التي تُدار فيها.
ويبقى السؤال الأهم: هل حان الوقت لإعادة النظر في موقع مقر الكاف بالقاهرة لضمان حياد مؤسسي حقيقي يضع العدالة فوق أي نفوذ أو ضغط؟


0 تعليقات