Header image

header ads

المباريات لا تُحسم داخل المستطيل الأخضر

 ✍️عز العرب الصدوقي:

لم تكن هزيمة المنتخب الوطني المغربي في نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 مجرد خسارة عادية، بل خسارة موجعة، لأن السياق والطموح والمسار كلها كانت تشير إلى لحظة تاريخية ممكنة.

بعيدًا عن تفاصيل المباراة، وما سبقها أو تلاها من تصريحات وتحركات في الظل، يبقى ما هو أعمق: كرة القدم، في هذا المستوى، لا تُحسم داخل الملعب فقط.

كان هذا النهائي لحظة كاشفة أعادت إلى الواجهة أسئلة ظلّ التعامل معها مؤجّلًا، أو مؤطرًا بمنطق الظرفية والانفعال. أول هذه الأسئلة: هل نملك، إلى جانب جامعة قوية ومنتخب تنافسي، إعلامًا رياضيًا في مستوى الرهانات القارية والعالمية؟

لا يمكن إنكار وجود أصوات إعلامية مهنية، ولا مجهودات صادقة، لكن الواقع يُظهر أن الإعلام الرياضي المغربي ما زال، في لحظات الحسم، يتحرك بمنطق ردّ الفعل أكثر من الفعل، وبالانفعال أكثر من التراكم. الإعلام القوي ليس من يرفع الصوت فقط، بل من يعرف متى يُصعّد، ومتى يُراكم، وكيف يحوّل اللحظة العابرة إلى موقف دائم يخدم المنتخب والبلد، لا المزاج العام. 

فالمعارك الحقيقية تخاض خارج الملعب: معارك الصورة، السردية، والضغط المؤسساتي.

لسنوات، طُويت ملفات كثيرة بالصمت، وبخطاب مثالي لا يغيّر موازين القوى. ديبلوماسية النعامة لم تحمِ منتخبًا، ولم تُنصف مشروعًا. ما نحتاجه اليوم هو الاعتراف بأن الإعلام الرياضي الجاد جزء من المنظومة، وسلاح مشروع في معركة تُدار خارج حدود المستطيل الأخضر: تطوير هذا الإعلام لم يعد خيارًا، بل ضرورة. إعلام يُواكب، يُحلل، ينتقد، ويدافع، دون تهليل أعمى، ودون جلد ذاتي مجاني أو بحث عن لايكات.

السؤال الثاني لا يقلّ أهمية: هل ما زلنا نبحث عمّن يمنحنا شهادة نجاح أو حسن سلوك؟ في كل محطة كبرى، نبدو منشغلين بردود فعل الخارج، نترقّب الإشادة، ونخشى النقد، وكأن الاعتراف الخارجي شرط لشرعية ما ننجزه. هذا منطق لا يليق بدولة راكمت تجربة تنظيمية ورياضية معترفًا بها، ولا بمنتخب فرض نفسه قارّيًا وعالميًا. البحث الدائم عن “شهادة حسن السلوك” لا يقوّي الموقف، بل يُضعفه، ويحوّل التفوق إلى حالة دفاعية بدل أن يكون موقع قوة.

المغرب فرض احترامه على أرض الواقع وقادر على الدفاع عن مصالحه دون ضجيج أو عقد، ولا ينتظر التصفيق من أحد.

أما السؤال الثالث، وهو الأكثر وضوحًا بعد هذا النهائي: هل نحتاج فعلًا لمن يؤشر على حسن ضيافتنا وكرمنا؟ الجواب، في العمق، لا.

كرم الضيافة في المغرب ليس شعارًا ظرفيًا يُستعمل في المناسبات، بل هو ثقافة أمة متجذّرة في التاريخ وموروث جماعي تشهد به الممارسة اليومية قبل البيانات الرسمية. الخطر يبدأ حين يتحول هذا الكرم إلى فعل مفرط، ويُمارس في غير أهله.

في هذا السياق، يُعدّ إعلان الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عن لجوئها إلى المساطر القانونية لدى الكاف والفيفا، بخصوص الانسحاب غير المبرر للمنتخب السنغالي من المباراة النهائية، خطوة في الاتجاه الصحيح. غير أن هذه الخطوة لا ينبغي أن تبقى معزولة، بل يجب أن تُواكَب بضغط مؤسساتي وإعلامي واضح ومتواصل، حتى تُطبَّق العقوبات الرادعة المنصوص عليها قانونًا، على مدرب السنغال وغيره، صونًا لهيبة المنافسة وحمايةً للروح الرياضية من العبث والانفلات.

مثل هذه النهائيات لا تُربَح دائمًا داخل المستطيل الأخضر، لكنها تُخسَر حتمًا حين يغيب الوضوح في المواقف، وحين نخلط بين الكرم والضعف، وبين الروح الرياضية والتسامح مع التجاوز.

ما نحتاجه اليوم: إعلام قوي وأكثر استقلالية، عقلية لا تنتظر التصديق والتصفيق من الخارج، ومواقف واضحة تحمي ما تحقق وتؤسس لما هو آت.

إرسال تعليق

0 تعليقات