✍️عز العرب الصدوقي:
على بُعد أيام من كأس إفريقيا للأمم، وفي وقت يتهيأ فيه المغرب لاحتضان الحدث ببنيات تحتية أبهرت العالم وأكدت طموحه في الارتقاء باللعبة، جاءت مباراة الجيش الملكي والأهلي المصري لتفتح جدلًا تجاوز حدود الرياضة، وتحول — للأسف — إلى مساحة لتصفية حسابات ضيقة وصناعة احتقان خارج سياقه الطبيعي.
لا أحد ينكر أن ما حدث داخل ملعب مولاي الحسن بالرباط سلوك
غير رياضي من بعض الجماهير، ولا أحد يمكن أن يبرّره. فأي رمي لمقذوفات نحو أرضية الملعب فعل مرفوض ويستوجب التعامل معه بصرامة ومسؤولية.
لكن، في المقابل، يصعب تقبّل تحويل الحادث إلى “واقعة
خطيرة” أو “كارثية” أو “مهدِّدة لسلامة اللاعبين” أو "لتنظيم الكان"، كما صوّرته بعض
الأصوات من عرب وعجم، التي بدت وكأنها اكتشفت في المغرب ما غاب عنها في
ملاعبها لسنوات طويلة.
الترهيب الإعلامي لا يصنع الحقائق.
فالواقعة، في حجمها الحقيقي، لا تتجاوز حدود الانفعالات
التي ترافق المباريات الكبرى. نعم، هو سلوك خاطئ وغير مقبول، لكن تضخيمه خارج
سياقه يثير سؤالًا حول نوايا بعض المنابر أكثر مما يثيره حول أمن الملاعب.
وما دامت السوابق التي يعرفها الجميع — في مصر وغيرها — أشد
عنفًا وأخطر أثرًا، فإن تقديم الدروس من أعلى منصّة المبالغة يصبح ممارسة تفتقر
إلى المصداقية.
هفوة… والعيون المتربصة لا تنام
من الواضح أن هناك من يترصّد بأي هفوة في الملاعب المغربية
ليحوّلها إلى عنوان أسود، وذريعة للتشكيك في جاهزية المغرب لاحتضان حدث قاري بحجم
كأس إفريقيا.
إنها لعبة قديمة، تُغذّيها غيرة مسمومة ورغبة دفينة في صناعة
ضجيجٍ يعمي عن حقيقة يعرفها القاصي والداني: أن
المغرب اليوم يمتلك من البنيات، والتنظيم، والتجربة، ما يجعله في مقدمة الدول
القادرة على احتضان أكبر التظاهرات الرياضية بأعلى درجات الاحترافية. ويكفي أنه يحتضن في هذه الأثناء مؤتمرا للإنتربول.
بين الإنكار والتهويل… وعيٌ مسؤول
نقل الخبر أو تحليله يجب أن يعكس حجم الأمور بدقة، بعيدًا
عن المبالغات والصور المشوّهة. فلا أحد يستطيع إنكار السلوك الخاطئ الذي وقع، ولا
تبريره، وفي الوقت ذاته لا يمكن قبول تصوير الحادث وكأنه فوضى عارمة تهدد منظومة
اللعبة. ما حدث يعكس مسؤولية مشتركة تمتد عبر أطراف متعددة: جمهور يحتاج إلى وعي
مستمر وتوجيه دقيق، منظومة مطالبها تعزيز اليقظة وتطبيق الضوابط بحزم، وإعلام مدعو
إلى ضبط خطاباته واحترام السياق بدل اختلاقه أو تضخيمه، ليصبح نقل الحدث أداة
للمعرفة لا للجدل الفارغ.
كأس إفريقيا… فرصة لاختبار النضج الجماعي
المغرب، في استعداده لاستقبال المنتخبات الإفريقية، يدرك أن
صورة بلد كامل يمكن أن تتأثر بهفوة صغيرة، أو ترتفع بدرس مُلهم.
وأحداث مباراة الجيش والأهلي مهما كان حجمها، لا يمكن أن نخرجها عن السياق، بل يمكن اعتبارها فرصة لتقوية ما هو قوي أصلًا: ثقافة احترام الضيوف، صرامة التنظيم، وحسّ
الانتماء الذي يحوّل الملاعب إلى فضاءات للاحتفال، لا للتوتر.
وأفضل رد على المبالغات وضجيج المتربصين، ليس الانجرار إلى معارك جانبية، بل
التركيز على الامتحان الحقيقي:
- تنظيم محكم،
- جمهور واعٍ،
- وصورة رياضية تنصف الجهود التي بُذلت على مدار سنوات.
في النهاية، تبقى كرة القدم لعبة والهفوات جزء لا يتجزأ منها، لكن النية وراء استغلالها تكشف مستوى الوعي والمسؤولية. والمغرب يمضي بفضل خبرته وحكمته بخطوات ثابتة، معلّماً أن الدروس تُعطى بالأفعال لا بالكلمات، وأن السمو لا يُقاس بالضجيج.


2 تعليقات
حدث و لا حرج للمتربصين بالكرة المغربية و صورة بعض أنصار الجيش الملكي بإلقاء القارورة.. وو صورة مسيئة للمملكة المقبلة على تظاهرتين قارية و عالمية..لكن هل يتحمل بعض جمهور الجيش الملكي المسؤولية عما حدث ؟
ردحذفطبعا لا..المسؤولية أيضا تقع على الأجهزة المنظمة للقاءات الرياضية في ملعب تحفة معمارية و جد رائع، أين تفتيش الجمهور عند بوابة الملعب؟
هل توجد فقط القارورات المائية، لم لا تعوض بأكواب بلاستيكية تباع داخل الملعب بأثمنة معقولة و يمنع دخول أي قارورة بلاستيكية لأي سائل يستهلك.
أتقف معك في كل ما قلته. وأشكرك على مرورك الكريم
حذف