Header image

header ads

مقال رأي: حكيم زياش لاعب بصيغة إنسان.

 

✍️ عز العرب الصدوقي:

مقال رأي | خاص جدا.

في زمن تُقاس فيه القيمة بالأرقام وتُختزل فيه كرة القدم في صفقاتٍ وأرباح، يطلّ حكيم زياش كوجهٍ آخر للعبة؛ وجهٍ يذكّرنا بأن في المستطيل الأخضر مُتّسعًا للإحساس وللكبرياء، وللانتماء الحرّ.

ليس سهلا أن تفهم زياش من خلال لقطات اللعب وحدها. في عينيه مسافة، وفي ملامحه عزوفٌ طوعيٌّ عن صخب النجومية. لا يركض خلف الأضواء بل يجعلها تتبعه على استحياء.

لاعب من طينة أولئك الذين يُربكون المعايير الجاهزة: تارة يُدهشك بتمريرة من خارج الزمن، وتارة يُغضبك بصمته الطويل أو غيابه الاختياري. لكن خلف كل ذلك، هناك فكرة وموقف.

حكايته لم تكن يومًا قصة نجمٍ يبحث عن مجد شخصي. بل قصة روحٍ لم تتنازل عن حريتها، حتى حين كلّفها ذلك الكثير. 

قصة شاب ولد في الغربة، وعاد إلى وطنه بالقلب لا بالجغرافيا.

في زمن الخيارات المزدوجة، اختار القميص المغربي، لا لأنه الطريق الأسهل بل لأنه الطريق الأصدق. لم يختر المغرب بدافع النكاية أو بحسابات المكانة، بل اختاره وفاءً لجذوره، ولذاكرة أمٍّ كافحت وقلب بقي هناك، حيث الحلم الأول.

حين يُعزف النشيد الوطني يغمض زياش عينيه.

مشهدٌ قد يبدو عابرًا للعين المتسرعّة، لكنه عند التأمل، لحظة انكشاف. لا يغمض عينيه فقط، بل يفتح داخله وطنًا كاملًا. إنها ليست لحظة خشوع أمام لحن، بل إعلان انتماء لا يحتاج إلى كلمات، ولا تصفيق.

بخياره ذاك، أسهم زياش في تغيير المعادلة النفسية لشباب المهجر، ممن كانوا يقفون طويلًا أمام مرآة الانتماء. وفتح أبوابًا كانت موصدة في وجوه الحيرة والتردد. 

ومعه، ومن خلاله - إلى جانب أسماء مثل أشرف حكيمي وقلة أخرى نادرة - أصبح القميص المغربي خيارًا يُراد، لا يُفرض. ومن خلال حضوره، أو حتى غيابه، استطاع أن يُذكّرنا بأن اللعب للمنتخب ليس امتيازًا وظيفيًا، بل موقفٌ وجداني.

في خطواته كبرياء الفنان، وفي لعبه بوحٌ شعري. وفي اختفائه حِكمٌ لا يُصرّح بها. هو اللاعب الذي يتقن فن الحضور الهادئ، والغياب الثقيل.

زياش ليس مجرد جناح يراوغ المدافعين؛ هو فكرة، وموقف، وصوت الصورة حين تنطق في حضرة الصمت.

زياش ليس فقط صانع ألعاب، بل صانع رمزية. هو التجسيد الحيّ لصراعٍ داخلي بين التوق إلى الحرية، والواجب الوطني؛ بين الرغبة في التعبير، والاضطرار إلى الصمت؛ بين ما يريده الناس منه، وما يريد هو أن يكونه.

وهذه، في نظري، ريادة لا تُقاس بعدد الأهداف، بل بثِقل المعنى.

إرسال تعليق

2 تعليقات